top of page
  • Black Facebook Icon
  • Black Instagram Icon

نقد حول الحوار التطوري

kid-playing-scaled.jpg

نقد حول الحوار التطوري
د. ياعيل ديان

يُعَدّ حوار «نموّ الطفل» الخطابَ المهيمن الذي يسيطر على المنشورات المهنية، والأبحاث، والعمل التربوي، والإرشاد الموجّه للمربّيات والأهالي. تقدّم نظريات النمو، مثل نظريات جان بياجيه، وإريك إريكسون، وسيغموند فرويد وغيرهم، تفسيرًا لطرق تطوّر البشر وتعلّمهم. يؤثّر هذا التفسير في مفهوم (" الطفل" دائما مغيب وصامت)، وهذا ينطبق على تأهيل المربيات.

 كما أنّ المعرفة المتعلّقة بالنمو هي بدورها نتاجُ بناءٍ ثقافيّ واقتصاديّ وسياسيّ؛ إذ تُعرَض على أنّها ذات صلاحيّة كونيّة، رغم أنّها تستند إلى أبحاث أُجريت في ثقافة غربيّة بيضاء وعلى أطفال من الطبقة الوسطى. وقد استبطن خطابُ التربية في الطفولة المبكرة هذه المعرفة وتعامل معها تعامُلًا غير نقديّ، بوصفها معرفةً بديهيّة لا بدائل لها.

إنّ معظم أبحاث نموّ الأطفال هي أبحاثٌ تأسست على ان الطفل هو متلقي وغير فعال، تتعامل مع الرضّع والأطفال بوصفهم موضوعات يمكن إجراء التجارب عليها والتحكّم بمتغيّرات بيئتها. هذه المقاربة تعزّز صورة الأطفال بوصفهم كائنات قابلة للتشكيل. ووفقًا لهذه الصورة، يكون الأطفال سلبيّين وغير شركاء في بناء المعرفة النمائيّة؛ ولا تؤخذ وجهة نظرهم حول تطورهم. لقد أفضى البحث النمائي إلى ثقة مفرطة لدى الباحثات والمعالِجات والمربّيات: فهنّ يمتلكن معرفةً علميّة موضوعيّة، ويُحاضِرن بثقة حول كيفيّة نموّ الطفل أو الطفلة وكيف ينبغي أن ينموا.

ابتكرت نظريات النمو معرفةً تتضمّن وضع أنواع من المقاييس والاهداف النمائيّة الواضحة، وتربيةً تسعى إلى نتائج قابلة للقياس ومرئيّة. وقد جُنِّدت منظومةُ التعليم من اجل تطوير وتحسين الاختبارات والتشخيصات وآليات المتابعة، التي غايتها مواءمة الأطفال والطفلات مع معايير مطلقة؛ إذ تُقيَّم القدرات الحركيّة، ومهارات اللغة، والمهارات الاجتماعيّة وغيرها وفق معايير ثابتة، وبذلك يَتقلّص دور الطفل في إظهار قدرات مُعرَّفة مسبقًا. وهكذا يتشكّل خطابٌ تقويميّ/حُكميّ يُصنّف الأطفال بحسبه.

 لذلك: «ناضج أو غير ناضج»، «لا يعاني أو يعاني من مشكلة نمائيّة»، «سويّ أو غير سويّ»، وما إلى ذلك. وتقوم هذه الرؤية أساسًا على برامج تربويّة كثيرة ومتنوّعة. فبدل أن تفحص برامجُ الطفولة المبكرة ما الذي يرغب الأطفال في فعله وما الذي يستطيعون فعله، فإنّها تُحدِّد ما ينبغي لهم أن يرغبوا فيه وأن يفعلوه – طبعًا وفق مرحلتهم النمائيّة.

وقد أدّت هذه الرؤية إلى إنشاء برامج علاجيّة وبرامج وقاية وتدخّل تهدف إلى «إنقاذ» الأطفال والطفلات الذين لا يستوفون المعايير. ويتكسّب كثير من الخبراء من صناعة التقييم والتشخيص والعلاج للأطفال والطفلات الذين لا يستجيبون للمعايير الموضوعة لهم. وأصبحت المتابعةُ عنصرًا مركزيًّا في عمل المربّيات؛ إذ يتعيّن عليهنّ إظهار مهنيّتهنّ في دفع الأطفال والطفلات نحو «التقدّم».

 إنّ النظر إلى الطفل كمتلقي، كموضوع، لا بد من اظهاره لقدرات حسب السلم والمقاييس النمائية، يلغي السعيَ من قبل المربيين  إلى التعرّف على عالمهم الداخليّ – رغباتهم، ومشاعرهم، وأفكارهم، وخيالاتهم، ووجهات نظرهم.

يقوم البحث النمائي، إذًا، على الافتراضات التالية: النمو كونيّ وخطّيّ هرميّ؛ النمو فرديّ؛ النمو مُقسَّم إلى مجالات منفصلة. وفيما يلي تفصيلٌ لكلّ افتراض من هذه الافتراضات

النمو كونيّ وخطّيّ هرميّ – يُفترَض أنّ كلّ رضيع أو رضيعة في أنحاء العالم يولدون وفق البرنامج النمائيّ نفسه – أي أنّ جميع الرضّع «مُبرمجون» بالطريقة نفسها.

 يقوم هذا الافتراض، على سبيل المثال، في أساس نظرية بياجيه في النمو المعرفي، التي أفرزت عددًا لا يُحصى من الأبحاث المؤيِّدة. وعندما لم تدعم النتائجُ النظريةَ، عُدَّ ذلك دليلًا على نقصٍ أو تخلّف.

يتحقّق النمو الكوني في اتجاه خطّيّ هرميّ – من مرحلة أدنى وأبسط إلى مرحلة أعلى وأكثر تعقيدًا. والنمو يسير في اتجاه تحسّنٍ دائم. وبناءً عليه، يُطالَب الأطفال والطفلات بإظهار إنجازات نمائيّة وفق أهداف محدّدة، وإثبات الانتقال السليم والمعياري من مرحلة إلى أخرى. إنّ التربية في الطفولة المبكرة القائمة على هذه الرؤية ينتج حالة من الاستعجال والضغط استعجال.

دورُ المربّية:  هو التخطيط للتقدّم نحو المرحلة التالية، أمّا الاطفال الذين لا يتقدّمون وفق المراحل فيُعَدّون ممّن يعانون «تأخّرًا نمائيًّا» أو «نقصًا نمائيًّا»، ويُصنَّفون «ذوي احتياجات خاصّة» أو «معرّضين للخطر». في هذه الحال، لا تكون المربّيات راضيات أبدًا عن نموّ الأطفال والطفلات، فيُسارعن إلى دفعهم للتطوّر والتقدّم. ويستبطن الأطفال والطفلات هذه الرسالة ويختبرون ذواتهم على أنّهم غير ناجحين. إنّ هذه الرؤية متمركزة في المستقبل ولا تتيح خبرةً ممتعةً وايجابية في الحاضر.

النمو فرديّ – تتركّز نظريات النمو على الطفل الفرد وتتجاهل علاقات التفاعل المتبادلة

 التي يعيش ضمنها. وتُعرَض الإنجازات أو المستويات النمائيّة بوصفها ثابتةً ومحصّنةً ضدّ التأثيرات البيئيّة. يبحث الخطاب النمائي عن أسباب نموّ الطفل في الطفل ذاته لا في السياق الاجتماعي الذي ينمو فيه؛ وبذلك يُلام الطفل أو الطفلة على نموّهم «المعيب»، أو يُستحقّ لهم كلّ الثناء على نموّهم «المرغوب».

وأحيانًا تُلقى مسؤوليّة الإخفاق النمائي على البيئة القريبة للطفل أو الطفلة – الوالدين أو المربّيات – مع تجاهل تأثير البيئة «البعيدة»: العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

مجالات نموّ منفصلة – تقسّم نظريات نموّ التطوّرَ الإنساني إلى مجالات مختلفة: حيث تناول بياجيه النموّ المعرفي؛ وتناول فرويد النموّ الانفعالي؛ وتناول إريكسون النموّ الاجتماعي-الانفعالي. وهكذا نشأ حوار نمائيّ تفريقيّ لا يلتفت إلى علاقات التفاعل بين مجالات النمو المختلفة، ولا إلى حقيقة أنّه لا يمكن أن يحدث نموّ في مجالٍ ما دون أن يؤثّر في النمو في مجالٍ آخر. وقد أدّى الفصل بين مجالات النمو إلى إنشاء قوائم من المهارات والقدرات في مجالات منفصلة: مهارات حركيّة، مهارات معرفيّة، مهارات اجتماعيّة، وما إلى ذلك. أمّا الظواهر والسلوكيّات التي لا تقع ضمن التصنيفات السائدة فتسقط من مجال الرؤية. لذلك لا بد من رؤية التأثير المتبادل بين مجالات النمو وعلاقتها بالبيئة وتأثير ذلك على عالم الأطفال وتطورهم.

إنّ روضة الأطفال المتأثّرة بالمعرفة المهيمنة لنظريات النمو تتعامل مع الأطفال بوصفهم موضوعات، وتُمارس السيطرة عليهم وتُسكتهم. ولا يمكن تنظيم روتين حياةٍ ممتع في الروضة حين يكون هذا الروتين مسيطر وخاضعًا لمعايير ومقاييس نمطيّة يُنتجها الخطابُ المهيمن.

a mothe kissing her baby

الاشتراك في مجموعة الفيسبوك
فقط للحاضنات والعاملين في اطر الطفولة المبكرة

© 2023 by Sherine Jaber. MATI © Copyright™ 

bottom of page