top of page
  • Black Facebook Icon
  • Black Instagram Icon

ظاهرة الاهل "الشفافون" في عصرنا

WhatsApp Image 2025-12-18 at 12.47.07.jpeg

الوالدية في عصرنا تختلف وتتغير بشكل كبير وتجعل المهمة للوالدين مركبة اكثر. أحد المفاهيم التي تتأسس عليها فكرة الوالدية العصرية, الامومة هي المحبة الغير مشروطة والعطاء بلا حدود. وقد تكونت هذه المفاهيم تباعًا لتغييرات اكبر على مستوى الأنظمة الحاكمة في العالم والتي انتقلت رويدًا رويدًا الى الحرية والديموقراطة, واثرت بدورها على أسلوب الوالدية ليصبح اقل قسوة واكثر مرونة واحتواء.

الحماية الزائدة هي نتيجة لمفاهيم كانت قد تجذرت لدى الاهل مع الوقت والتي تضع التضحية والمحبة الغير مشروطة كقواعد أساسية في التربية. تتناول قصة الشجرة الكريمة, شجرة "ضحت" بنفسها من اجل طفل كان يلعب تحت ظلها, واعطته ثمارها ومن ثم اغصانها ومن ثم جذعها حتى انها لم تعد موجودة ابدًا. وهذا يجسد التضحية اللانهائية, الأحادية الجانب التي يلغي بها الاهل انفسهم لإرضاء أطفالهم. فهم يفكرون ان العطاء بلا حدود يجعل الأطفال اكثر سعادةً, لكن هذا اعتقاد يعزز تعلق الطفل بالأهل ويصعب عليه اكتساب الاستقلالية.

بالإضافة الى ان مفهوم "الاحتواء" قد اسيئ فهمه, من احتواء حقيقي فيه كل طرف يضيف للعلاقة ويتمكن الاهل من احتواء أمور محددة مع وضع حدود, الى احتواء مزيف فيه "امتصاص" لعدائية وصعوبات الطفل في التعامل مع الاهل. الاحتواء المزيف يجعل الاهل كالإسفنجة, بعد ان يمتصوا الكثير من غضب الطفل وعدائيته يصلون الى مرحلة لا يقدرون بها تحمل ذلك اكثر. وعلى الارجح ان يسقطوا هذا الغضب على الطفل نفسه, وفي هذه الحالة يدخلون في دوامة لا نهاية لها من الغضب والعدائية المتبادلة بينهم وبين الطفل.

ظاهرة الاهل "الشفافون" هي احد تحديات  الوالدية في أيامنا والتي من المهم تسليط الضوء عليها ومعالجتها. وقد تكون صعوبات الاهل تتعلق بتجارب صعبة في طفولتهم كانت قد دفعتهم للتعامل مع أطفالهم باتجاه محدد, من دون وعي او تفكير منطقي.

عندما لا يعبر الاهل عن رغباتهم واحتياجاتهم, ويضحون بوقتهم وكل مواردهم لإسعاد الطفل تتكون علاقة فيها الطفل موجود لوحده والاهل "شفافون". تتحدث "جيسيكا بنجمن" عن الاعتراف المتبادل وهي صيرورة تتبلور من خلال علاقة الطفل ومقدم الرعاية (بالأساس الام), والتي من خلالها تحصل الام على اعتراف بحضورها وتعلن حضورها عن طريق التعبير عن رغباتها ومشاعرها. وبالمقابل من المهم ان تكون لديها القدرة على استيعاب طفلها باحتياجاته ومشاعره, وان تعطيه المساحة المناسبة, لبناء هوية مستقلة, وذلك دون ان "تلغي نفسها" كليًا لاجله.

هذا يرتبط بفكرة وينيكوت, حيث يستخدم الطفل الام ك"object" ويحاول ان يدمرها بطريقة لا واعية, وعلى الام ان تقف امام هذه العدائية من دون ان تنهار ومن دون ان تتماهى معها.

 الفكرة من الاعتراف المتبادل, ان الطفل يكون بقلق شديد من ان "تبتلعه" الام بحضورها, وفي ذات الوقت هو يعلم انه اذا "لغى" وجودها تمامًا فهو قد "يلغي" نفسه لأنه متعلق بها وهو جزء منها. وهذه هي السيرورة التي تحدثت عنها مارجرت ماهلر ما بين الانفصال والفردانية separation individuation, وهي سيرورة تبدأ بالطفولة وتستمر لمدى الحياة.

عندما تصل العلاقة بين الطفل والاهل الى مكان "عالق" بحسب بنجمن, قد تكون العلاقة بأحد الاتجاهين:

1.اتكالية كبيرة على الاهل والتي يكون فيها صعوبة بالانفصال من قبل الطرفين.

Symiotic relation.

2."الغاء" لوجود الاهل والتصرف من قبل الطفل او المراهق عادةً  كأنه لا وجود لهم.

في الحالتين لدينا اهل "شفافين" اما انهم جزء لا يتجزأ من الطفل, او انهم خارج دائرة حياته تمامًا وليس لديهم أي وجود وهو لا يراهم.

في حالة الاتكالية, الخروج من المكان العالق هو ليس بتدخل طرف ثالث في العلاقة, بل بخلق مساحة ثالثة (بحسب اوجدن) فيها كل طرف في العلاقة حاضر وموجود. على الاهل ان يتحدثوا مع الطفل عن ذاتهم واستخدام رسائل تبدأ بكلمة "أنا", وهذا يحتاج لعمل داخلي يوقظ الاهل لمشاعرهم واحتياجاتهم, التي كانوا قد كبتوها ليشعر الطفل بالارتياح والاحتواء الزائف الذي يؤدي به لعدم الاستقلالية.

في حالة الغاء وجود الاهل, والسلوك بطريقة عنيفة اتجاههم, هذا يتطلب تدخل طرف خارجي, ابتعاد الاهل عند الشعور بالتهديد, وطلب وعود والتزامات من قبل المراهق لعدم تكرار السلوكيات الصعبة. في توجهات مختلفة للعلاج قد يتطلب الامر "حضور يحافظ على الاهل" وقد يكون شخص قريب من الجيران او العائلة الذي يتدخل باتفاق مسبق في حال شعر الاهل بالتهديد, فيكون موجودًا عند الحدث العنيف او الصعب ليحتوي الموقف.

في الحالتين يحتاج الاهل لتلقي استشارة مهنية وعلاجية تساعدهم في تخطي هذه التحديات, واكتشاف انماطهم في التعامل والتفكير ولماذا يتصرفون بطريقة محددة. عندما يأخذ الاهل المسؤولية على عاتقهم لتغيير علاقتهم مع أطفالهم تكون هذه اول خطوة من رحلة التشافي الداخلية لهم, زفهم جذور صعوباتهم كأهل وكأشخاص.

a mothe kissing her baby

الاشتراك في مجموعة الفيسبوك
فقط للحاضنات والعاملين في اطر الطفولة المبكرة

© 2023 by Sherine Jaber. MATI © Copyright™ 

bottom of page